ناريمان ماري : حسان فرحاني يعرف دائما اين يضع كاميرته ليولد السحر فجأة


11 Oct
11Oct

ناريمان ماري : حسان فرحاني يعرف دائما اين يضع كاميرته ليولد السحر فجأة

تابع المخرج الجزائري حسان فرحاني انتزاع الجوائز في عدد من المهرجانات حيث فاز فيلمه الوثائقي الثاني "١٤٣ شارع الصحراء" مع انطلاقة مسيرة عرضه في مهرجان لوكارنو في شهر آب- أغسطس الماضي بجائزة أفضل مخرج صاعد في المهرجان السويسري ليفوز بعدها، في ختام الدورة الثالثة من مهرجان الجونة االسينمائي في أيلول - سبتمبر الماضي بالنجمة الفضية في نفس التوقيت تقريبًا بذهبية مهرجان الفيلم الوثائقي في سيول. الفيلم يصور سيرة حياة يومية لامرأة وحيدة تعيش في قلب الصحراء وتتدبر أمر نفسها بنفسها بل هي تقدم الشاي والقهوة والطعام للعابرين الذين يرتادون مكانها للراحة. غير أن بناء محطة حديثة للغاية بالقرب منها، يهدد بنسف مصدر رزق تلك السيدة الشجاعة ومعه نسق حياة وطبيعة علاقات فريدة خاصة تنتمي لزمن بصدد أن ينقضي. هنا لقاء مع ناريمان ماري منتجة الفيلم التي حضرت في الجونة وعادت بالجائزة. 

مرحبا ناريمان ماري. جددت للمرة الثانية تعاونك مع المخرج الجزائري الشاب حسان فرحاني من خلال انتاج شريطه الوثائقي الثاني. ما الذي قادك لتجديد التعاون معه؟ هل هو إيمانك بموهبته؟ 

حسان فرحاني مخرج موهوب فعلا. أجده شخصا استثنائيا للغاية. بمعنى أني أحببت أولا شخصه وما ينطوي عليه، خصوصًا لناحية جزائريته وهذا يعتبر أمرا أساسيا حتى يمكن التحدث عن بلد مثل الجزائر، هذا البلد المعقد للغاية والمعقد أيضا بعلاقاته مع العالم. أحببت أيضا في حسان طريقته في أن يكون جزائريا، فهو يضع نفسه دائما بمرتبة الآخرين. لم أحسه يوما مختلفا عن الأشخاص الذين يصورهم أو أحسسته يوما عنصرا خارجا عن وطنه. هو لا يعتبر نفسه شخصا مختلفا عن الشخص الذي يصوره على كافة المستويات وهذا أمر مسّني كثيرا. 

هذا من ناحية، هناك من ناحية ثانية قضية الفيلم الوثائقي وهذه العلاقة التي تبنى بين المخرج والشخصيات. هناك هذه المسافة التي نضعها بين الشخص الذي نصوره وبين الشخص الذي يقوم بالتصوير. وهناك دائما هذا النوع من حقيقة العلاقة الإنسانية التي تعبر عن نفسها في كل مرة. هذا رأيته في شريط "في رأسي رون پوان"، الذي يصور عالما مغلقا تماما في مسلخ للحوم، كما رايته في الفيلم الجديد الذي أعتبره أكثر تعقيدا.

في فيلم "في رأسي رون بوان" كنت حين أذهب لملاقاة حسان بعد يوم من التصوير، أجده وقد تحول هو نفسه إلى لحام يعمل في المسلخ. ملاحظة هذا الأمر مسألة جميلة جدا لأن حسان لم يعد حسان. جان بيرام ديفيت يقول : إنه عامل سينما ( un ouvrier de cinéma). وهو كذلك في العمق. 

حين صور مع مليكة في الصحراء في فيلمه الثاني في  "١٤٣ شارع الصحراء" أصبح بمثابة ابن لها. هو يقيم علاقة على نفس المستوى مع قرنائه. يبنيها بشكل كلي وعميق، دون أية تفرقة لا في التفكير ولا في أي شيء آخر. وهذا بالذات ما يولد سينما أجدها عميقة جدا. سينما لا تصدر أحكاما، لا تأخذ مسافة من الموضوع، لا تنحاز لطرف، لا تحدد الخير أو الشر ولا تقوم على أي من هذه الاعتبارات. انه عمل يحترمنا بشكل استثنائي. بمعنى أننا نحس أنفسنا محترمين عبر ما تعكسه صورة الآخر، هذا أمر يتعلق بالناحية الإنسانية الصرفة.

هناك شيء آخر، حسان فرحاني يصور أفلامه بنفسه. وهو يعرف دائما أين يجب أن يضع كاميرته. يفعل ذلك بشكل تلقائي معتمدًا على حدسه القوي. وهو يحصل دائما على هدايا ولديه بالفعل هدايا حقيقية رائعة، والهدية كما تقول أمي يجب أن نستحقها. أنا أمزح، لكن الواقع أن معرفته بالموضوع، معرفة أن يستمع، أن يرى بإحساسه حين يركز الكاميرا في مكان معين دون غيره، تجعل الإطار رائعا فجأة فيفعل السحر فعله. هذا أيضا يهمّني في عمله.


تصوير الحميمي

يحصل السحر فعلا، لكن في فيلميه الأول والثاني اللذان يتناولان الجزائر، لدينا إحساس أن حسان فرحاني يصور هذه الجزائر التي تراوح مكانها، التي تدور حول نفسها ولا تتحرك أو تتقدم. في الشريطين، الحدث يدور دائما في مكان واحد مغلق. إنها نطرة تخترق المكان تدخل إلى قلب الشخصيات تختبر دواخلها لكن تراوح في المكان، هل يمكن أن نتحدث أيضا عن الجزائر اليوم عبر هذا العمل الذي أنتجته لحسان فرحاني؟

أعتقد أن المكان المغلق في الفيلم الأول كما في هذا الفيلم " 143 شارع الصحراء"، يتيح الإغراق في الحميمية دون الوقوع في فخ التعرية. إنها حميمية داخلية أخاذة بحيث لا تفتح بابا للخروج. أعتقد أن العالم بمجمله يعيش هذه الحالة من الدوران حول النفس وليس الجزائر وحدها، وان كانت الجزائر تعيش وضعا صعبا جدا للغاية. لكني أجد أن الجزائر لديها امتياز أنها قادرة على ابتداع الحركة. وهذا شيء مهم جدا. بمعنى أنه كما السينما فن قائم على الحركة، الشعب الجزائري يتحرك بشكل دائم. أعتقد أن حسان فرحاني أو جمال كركار أو المخرجين الآخرين الذين أنتجهم أو حتى في أفلامي الخاصة، فنحن نحب هذه السينما لأن لا أحد يعرف أين هو باب الخروج.لا أعتقد أن أحدا يملك مفاتيح الحل لذلك فان هذه السينما التي نصنعها تتضمن مجموعة من العناصر التي تعنينا وتعني كل من يحيط بنا أو من هو قريب منا، وهي لا تهتم بتحديد مستقبل يستحيل تحديده أصلا.

أنا أحب كثيرا تصوير الحميمي، أما سؤال المصير فيبقى في نظري سؤالا أبديا معلقا. الشيء الوحيد الأكيد نحن نعرفه جميعا، لكني أجد أنه أمر جيد ألا يأتي الفيلم بحل. بل إنه من المعيب جدا بالنسبة لي أن يأتي فيلم ليقول وجدت الحل. نحن في عالم نبحث فيه دائما عن حلول وآتي أنا وأقول هذا هو الحل ، قد يكون حلًا يناسبني أنا، لكنه قد لا يلائم الآخر. هي إذن مسألة معقدة جدا.

نعمل سويًا بشكل تلقائي حدسي

كمخرجة حققت ثلاثة أفلام "لوبيا حمراء" و"حصن المجانين" وفيلم آخر حميمي أيضا يدور حول الحياة والموت والفقدان عنوانه "هالي ديز"(أيام مقدسة). أتخيل أنه من الصعب عليك التوفيق بين مهنتي الإخراج والإنتاج... هل إنتاج عدد من المخرجين يؤخرك في مشاريعك الخاصة لجهة الإنتاج؟

في الواقع، هناك طريقة عمل متشابهة تربط بيني وبين المخرجين والمخرجات الذين أتعاون معهم في الإنتاج، بينهم أيضا المخرجة باية بن شيخ الفجون، أحب لديهم جميعا هذا الإحساس  الذي يملكونه للعالم. طريقة وعيهم به. نحن نعمل سويا بشكل تلقائي حدسي ونتفاعل بشكل جيد جدا فيما بيننا. جمال كركار مثلا ساعدني في إنهاء عملي على فيلمي الأخير. مر إلى منزلي فقلت له أني ضقت ذرعًا بالمونتاج فجلس بجانبي لنكمل معا. في هذه المجموعة لدينا حساسية مشتركة ونحن قريبون جدا من بعضنا البعض. ما جمعنا وقربنا بداية كان فيلمي الأول "لوبيا حمرا" وهو عمل أعجب حسان كثيرا. كنا التقينا في مهرجان وقررنا أنه يجب أن نعمل معا.

عملي معهم لم يوقفني، لم أحس يوما أن ذلك يمنعني من التقدم في مشاريعي الخاصة حقا، على العكس فنحن نحس أن عمل كل واحد منا يفتح دروبا للآخر لأننا نقوم بإنجاز سينما خاصة جدا وشخصية جدا.

حتى بالنسبة لمونتاج حسان قمنا بمهاتفة جمال ليحضر. نشاهد لبعضنا البعض، ننتقد بعضنا وعلى العكس فان ذلك يجمعنا. بالنسبة لي، أن أنتجهم يعني أن أعطيهم مساحة يستطيعون أن يعبروا من خلالها بكل حرية عن كامل خصوصيتهم دون كبح بالمرة. أفضل أن ألوي ذراع القواعد المتبعة لدى جهات الإنتاج بدل أن أعيق كائنا حيا في تطلعاته ونحن جميعا نتبع هذا المنطق. يتم تعريفنا والنظر إلينا والتعاطي معنا على هذا الأساس. وهذا يعطينا قوة، لأننا في كل مرة ننجز عملًا يتم ترقبه. أعتقد على العكس أن هذا شيء قوي وصلب بيننا، جمال مثلا قام بإنجاز الصوت في فيلم حسان، حسان ربما يقوم بتصوير فيلمي المقبل. إنها صداقة رائعة وهذا عظيم.

تحدثت عن فيلمك الجديد، هل باستطاعتنا معرفة المزيد ؟ هذا الفيلم سيعرض في مركز جورج بومبيدو في ١٠ اكتوبر

الفيلم قدم بداية في مهرجان فيد في مرسيليا وأنا أحب كثيرا هذا المهرجان لأنه مهرجان يفهم تماما عملي. الفيلم بعنوان "هولي ديز" وهو شريط موضوعه صعب عن وفاة زوجي. إنه شريط عن الحب والموت. الإخراج بالنسبة لي نوع من الإستكشاف العميق وأنا أحب بشدة الاستكشاف. دائما أقول لو وضعت هذا الشيء مع هذا الشيء ما الذي سيولده. إنها الحساسية الحسية. أفلامي يتم التعامل معها كثيرا على أنها فن معاصر وهذا يزعجني قليلا لكن لا بأس. أعتقد أنني مستقبلا بعد فيلم أو فيلمين سأذهب للعيش في الطبيعة. أعتقد أن على جمال وحسان أن يختبرا مسألة الانتاج مستقبلا دون أن أكون وراءهم. وهم واعون بذلك لأني لا اعمل مع أطفال، بل نحن جميعا مسؤولون للغاية. أعتقد أنني أحب أن أذهب للعيش في الطبيعة.

كتابتي مفتوحة وأنا أترك المعجزة تحدث

فيلميك السابقين "لوبيا حمرا" و"حصن المجانين" تم اختيارهما في مهرجانات كثيرة وكانا يعرضان تحت عناوين مختلفة مرة كوثائقي مرة كروائي ومرة كفيلم تجربيبي أو كتجربة في مجال الفن الحديث. ما الذي يجعل عملك نوعا ما خارجا على التصنيف، هل أعمالك تقصد التمرد على النوع؟ 

أعتقد أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن أقوله بالنسبة لبحثي ومحاولة اكتشافي للمادة السينمائية يكمن في الواقع وبكل صراحة في كوني لا أبحث عن أن أكون مخرجة تريد أن تذهب إلى مهرجان كان أو لديها أهداف مشابهة من السينما، لا. في كل الأحوال، ففي هذا النوع من السينما أنا أمنح نفسي حرية مطلقة، حرية غير عادية حتى أني في بعض الأحيان أسأل نفسي هل لديك جرأة فعل كذا. نعم. أحيانا أبحث عن حرية أكبر مما يمكن أن أصل إليه. الكتابة الحرة للغاية تعيق أحيانا بعض المشاهدين لكنها تعجب آخرين. أنا لا أعمل مع ممثلين محترفين وأقول دائما أنه علي اعتماد اللقطة الأولى. احضر جيدا للقطة مع الشخصيات التي ألتقيها. ألتقيك مثلا وأقول لك هل تأتين معي إلى جزيرة لمدة خمسة عشر يوما وسوف نرى ما يحدث. ألتقيك هكذا في مقهى، أنت تنظرين إلي وتقولين إما نعم وإما لا. ولكن بمجرد أن تقولي نعم نعلم أننا سنعيش مغامرة وسنعيشها سويا.

إذن في عملي آتي بأشخاص غير محترفين نذهب إلى مساحة معينة، لا أبحث عن الضوء أو عن كل ذلك وأعتقد أن كل عنصر موجود في المشهد يلعب دوره، حتى وان كان لدينا هدفنا المحدد. مثلا في "لوبيا حمرا" كان الحديث عن حرب التحرير في الجزائر أو عن الوعي السياسي، يمكن أن نقول أن الأمر كان كذلك حتى وإن كانوا أطفالا. في "حصن المجانين" كان الأمر يتعلق بالحديث عن السيطرة والسلطة، هناك دائما هدف لكن، كيف نصل إلى هذا الهدف، أنا أترك المعجزة تحدث. إذن هي كتابة مفتوحة. لكن في الواقع فانه يتم تقبل مثل هذه الأعمال أكثر في عالم الفن المعاصر. مع ذلك فإن "لوبيا حمرا" راج كثيرا في الصالات السينمائية.


Commentaires
* L'e-mail ne sera pas publié sur le site web.