قرطاج الوثائقي ٢٠١٩ : صور تولد من رحم الاعتراض او تعيد صياغة الذاكرة


02 Nov
02Nov

تؤكد أيام قرطاج السينمائية التي نشهد دورتها الثلاثين، وبشكل دائب ومستمر هذا الجانب الملتزم الذي يسلط الضوء على قضايا شعوب المنطقة في افريقيا والعالم العربي رغم كل التحولات الأليمة الصعبة التي يشهدها هذا الجزء من العالم، بل على العكس هي في كل دورة تعيد تجديدها لهذا الالتزام عبر تجليات مختلفة ومتنوعة لعل أهمها يبرز في اختيارات تظاهرة الفيلم الوثائقي.

وتتضمن مسابقة الفيلم الوثائقي هذا العام اثني عشر فيلمًا قادمة من سبعة بلدان عربية وافريقية بينها ثلاثة أفلام من تونس واثنان من السودان واثنان من سوريا. بعض هذه الأفلام سبقته سيرته الى أيام قرطاج السينمائية وبعضها يقدم للمرة الأولى هنا.

 شريط صهيب قسم الباري بجاذبية كبيرة تمتد عبر حكايات أربعة مخرجين يقدمون في العبارة خلاصات عمرهم ومراراتهم لكنهم لا يبخلون على المشاهد بشذرات من مرحهم الحاضر أبدا وشغبهم الذي يحتاج نفضة غيار واحدة حتى يعود ليطفو على السطح. أما مزاجهم الإيجابي فلا يقوضه أي منغص يعترض سبيلهم الى السينما التي يريدون إبداعها. نراهم هنا وبصحبة المخرج يعيدون ابتداع الامل ويحكون لنا عن السودان الذي لا نعرف تفاصيله، السودان كما كان يمكن ان يكون تحت سلطة عمر البشير.

من السودان أيضا وهذه سابقة في تاريخ مهرجان قرطاج، ان يحضر شريطان سودانيان في نفس مسابقة الوثائقي، (فضلا عن فيلم روائي من افضل ما يعرض عربيًا) تحضر المخرجة مروى زين في عمل اول أيضا وهي في "اوفسايد خرطوم" ملامح من مساعي المرأة السودانية للتساوي حقوقيا بالرجل، متلمسة جانبا رياضيا يخص كرة القدم النسائية في السودان والتي تقام حاليا بطولتها الأولى في الخرطوم.

عبر سيرة فريق لكرة القدم النسائية، تحكي المخرجة صعوبات التجربة وثوراتها سنوات قبل ثورة الشارع السوداني ضد القمع وخصوصا ضد كل الممارسات والقوانين التي فرضها العد البائد بحق المرأة السودانية وفقا لتعليمات الإسلام السياسي. هنا أيضا يصور الفيلم لحظات جميلة تعكس إرادة التحرر وواقع المجتمع السوداني.

يشتبك هذان العملان السودانيان بالواقع تماما كما تفعل بقية أفلام هذه المسابقة للفيلم الوثائقي لتخرج موادها مجبولة بعبير الأمكنة وحكايات الحياة لأناس قادرين على صنع مصائرهم رغم كل الصعوبات وهم ينسجون من واقعهم خيوطا تطير صوب الشمس وتعيد صياغة الامل مهما كان.

لذلك وحتى وان كانت النبرة في الشريطين السودانيين طالعة من الروح السودانية بمعنى انها هادئة، سلسة، غير أنها مثل كثير من الاعمال المشاركة في المسابقة فهي تولد من رغبة في الاعتراض على الواقع، من محاولة التغيير القائمة والمستمرة قبل الثورات وبعدها. في هذا يتساوى المخرج مع موضوعه، وفي أحيان كثيرة يصبح هو أيضا جزءا من الموضوع.

ذلك طبيعي ربما، في محاولة التحقق في الحيز الجغرافي الذي يسمى وطنا عادة لكن الذي يفتقر كثيرًا للصفات التي يفترض ان ينطوي عليها معنى هذه الكلمة الكبيرة : وطن . هي اوطان طاردة تأخذ الكثير ولا تعطي، بل هي تعطي لكن بأثمان باهظة يدفعها الشباب من أعمارهم.

ان تكون مواطنا في بعض اوطاننا فهذا يعني انك مستهدف، أفلام كثيرة تتحول الى نوع من مرافعة عن الذات في مواجهة اخطار التفقير والتهميش والظلم والقمع، مرافعة عن الجمال، عن الانسان، عن الهوية والمعاني في مجتمعات الحرمان والقهر الاقتصادي

.

امام مساحات القهر التي لا تكف عن الاتساع قبل وبعد الثورات، ينشد مغنو الراب في شريط "فتح الله تي في" للمخرج الشابة وداد زغلامي "سيب الحشيش، خلي الشعب يعيش". نحن هنا أيضا، بصدد عمل وثائقي اول، طالع من القلب. وهو يقدم في المسابقة بجانب عملين تونسيين آخرين.

الشريط يعرض لواقع الفقر والتهميش والقمع من خلال إطلالات تسقطها المخرجة على احد الاحياء القريبة من العاصمة، وحيث تحاول مجموعة من الشباب ان ترسم واقعا آخر لأيامها عبر الموسيقى واحيانا عبر الحشيش. الحشيش الذي يدخلهم السجن أحيانًا كما في أيام الرئيس المخلوع بن علي، السجن حين تولد ظروفهم عنفا يدخلهم السجن ايضا بعد سجن الحي الشعبي المهمش.

الفيلم يمتد على مدى عقد وسرعان ما تصبح المخرجة جزءا من الحكاية التي ارادت ان ترويها ما يضيف بعدًا آخر شخصيا للفيلم. فتح الله تي في يخرج نابضا بالحياة وبالألم، بالصداقة والحب وهي محصلة تعلي دائما من شأن وكرامة الانسان وخصوصا الجيل الشاب. في كل ذلك، في الموسيقى والحب وفي انجاز الفيلم فانما هم يسجلون جميعا لحظة انتصار على الواقع، لحظة عزاء جماعي تعطي جرعة من الثقة بالحياة لهم كما للمشاهد.

ويبقى الفيلم الأصعب على المشاهد في مسابقة الوثائقي فيلم قادم من سوريا وهو خرج قبل أيام الى الصالات الفرنسية بعد عرضه في عدد من المهرجانات الدولية ابتداء من مهرجان كان السينمائي. الفيلم وقعه كل من وعد الخطيب وإدوارد وانس وهو يحكي يوميات امرأة وعائلتها في قلب أتون حلب عام ٢٠١٦ حيث القسم الشرقي من المدينة يقصف يوميا وحيث يدفع المدنيون دمهم وحياتهم ثمنا لبقائهم في بيوتهن وسط حرب طاحنة وفظاعات سجلتها الكاميرا. الفيلم عبارة عن تقارير مصورة من يوميات مشفى ميداني. لكنه في متوالياته التي تتشابه، في تصويره الحياة بجانب كل ذلك الموت، يريد لحياة الجيل الجديد ان تكون شيئا آخر، بعيدا عن الدماء والحروب. "الى سما" هذا هو عنوان الفيلم المهدى للطفلة التي ولدت في أتون هذه

أحيانا يهرب الفيلم الوثائقي الى الداخل، الى قضايا اكثر حميمية او الى هم شخصي لا يقل أهمية عن قضية من قضايا الشأن العام، هذا هو الحال مع ربى عطية في تجربتها الأولى ايضا والتي تحمل عنوان "بيت، اثنان، ثلاثة" والذي يحاول ان ينطق الصمت عبر علاقة ام وأبنتها. مخرجة تحاول دائما ان تنطق والدتها التي تنتمي الى جيل آخر من المعاني والنضالات، من الأوطان والمنافي. بين الحاضر والذكريات، في عوالم الداخل الأنثوية تختبر الكاميرا احتمالات الغربة والاغتراب معًا، ، تبحث عن شيء كبير مفقود مرة والى الابد، اما الأسئلة فلا إجابات عليها، بل آثار تبقت تتبدى ضبابية غير مكتملة وتظل تغري بالمزيد، خارج دائرة الصورة والمحتوى. في الحياة ؟

البحث في الذاكرة نجده أيضا في فيلم "في منصورة ...فرقتِنا" للجزائرية مريم دوروتي كاللو، التي هي أيضا، تحث أحدا ما على الكلام : والدها الذي يلتزم هو الآخر الصمت. يحتاج الجيل الجديد سماع أصوات أهله الذين سبقوه إلى الحياة، يحتاج استنطاقهم. يخرج الوثائقي في اكثر من عبارات استولى عليها الصمت طويلا قبل ان تقال، لذلك فهي تخرج عالقة بالروح، اقرب الى عبرات منها لعبارات.

حتى عندما يكبر الأولاد، يظلون يلحون بالسؤال على أهلهم، وهم حين يكبرون تصبح أسئلتهم اكثر الحاحا واكثر سخطا، كانما لتسجل احتجاجا على عجز ما يعيشه الله ويريد الأولاد المخرجون تخطيه بأعمالهم، بشهادات أهلهم على واقع لم يشهد عليه احد.

ينتهك الوثائقي ملاذات الصمت تلك، ليجعل من التاريخ الشخصي قيمة يسبغها على الحكاية العامة، فتكتسب تلك الحكاية تفاصيل اكثر واقعية واكثر خصوصية وإنسانية. يجرؤ الجيل الجديد ويمضي الى ابعد، يتكئ على صمت الأكبر وعباراتهم المخنوقة، ربما لانهم حكوا كثيرا في الماضي وما عادوا على ذلك بقادرين.

تقف المخرجة مريم دوروتي كاللو بجانب ابيها لتحكي حكاية اب وابنته حين يمثلان امام تاريخ طويل من المجازر والانتهاكات التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر وظلت مطوية في غياهب الصمت العام دون ان تفصلها كتب التاريخ.

زيارة البلد الأصل، مناسبة ذهبية للاستعادة، فالابنة لم تولد حتى على هذه الأرض، لكنها تريد ان تعرف اكثر وربما لهذا السبب تحديدًا، وهي تكشف وتكتشف الكثير من ملامح تاريخ مصموت عنه. تاريخ وقف الاب أمامه غير قادر على الفكاك منه. فالأب مخرج ايضا، لكنه متوقف عن الإنتاج، لديه مشروع من سنوات طويلة لا يمضي الى الأبعد. يبدو عالقًا في ماض لم يمض. اما الابنة، في محاولتها الحوار معه فهي تفتح مواربا باب تلك الذاكرة القاتلة وتحرر نفسها ومعها الاب بكل تلك الأسئلة وهذا النبش في الماضي والحاضر معًا.


يبدا  الأب كلامًا عن الجزائر تحاول إكماله هي، من هذه الثغرات تحديدًا يولد الفيلم، الذي عرض في مسابقة آخرى جديدة تحمل عنوان شتات ولم يعرض ضمن مسابقة الوثائقي. وتضم تظاهرة شتات ستة أفلام لمخرجين عرب او من أصول عربية يعيشون في المهجر او في بلدان ولدوا وعاشوا بها.

في مسابقة الوثائقي العربي الافريقي في قرطاج هذا العام سبع مخرجات. جميع المخرجات العربيات انجزن هنا أعمالهن الأولى، علامة على ولادة جيل جديد في السينما الوثائقية يضع خطواته في خطى من سبقه ويتقدم ، ربما يجرؤ أكثر وربما يطرح أسئلة اكثر بحثا في الهوية.

في كل الأحوال فان تظاهرة الوثائقي في قرطاج هذا العام لافتة للغاية في مضامينها وفي تقديمها لاسماء جديدة تلتزم قضايا الانسان بجدية وتبدو عازمة على الذهاب نحو مستقبل افضل، سواء من حيث الاعمال او من حيث طبيعة المواضيع التي سلطت الضوء عليها.

نعم مهرجان قرطاج قيمته في هويته هذه التي تقدم سينما ملتزمة دائما؛ وهل باستطاعة الأيام السينمائية في قرطاج ان تكون شيئا آخر غير ذلك ! المخرجون والمخرجات الجدد، ضمانة أكيدة على هذه الهوية الملتزمة للمهرجان والتي تبدو اليوم ضرورية ومطلوبة اكثر من أي وقت مضى.


Commentaires
* L'e-mail ne sera pas publié sur le site web.