ملامح تجديد في السينما العربية في مسابقة أيام قرطاج السينمائية في دورتها 30


1 min lu

ملامح تجديد في السينما العربية في الدورة 30 من مسابقة أيام قرطاج

بقلم هدى ابراهيم 


مؤشرات كثيرة حملتها المسابقة الرسمية للدورة الثلاثين من أيام قرطاج السينمائية فيما يتعلق بالسينما العربية والافريقية التي تفرد لها مسابقتها التي اقتصرت هذا العام على تقديم اثني عشر فيلمًا بينها ثلاثة أفلام من تونس، فيلمان من الجزأئر وفيلم واحد من كل من السودان والمغرب وسوريا ومصر والعراق والسعودية والسنغال.

أول هذه المؤشرات، تراجع مستوى الإنتاج في بلدان افريقيا السوداء، فلقد تعود مهرجان قرطاج، تاريخيا، على تقديم عديد انتاج هذه السينما ضمن مسابقته الرسمية، تماشيا مع هويته التي تدافع عن السينما العربية وعن السينما الافريقية. ولطالما كان لهذه السينما الافريقية حضورها الفاعل في المهرجان وقد حصلت اكثر من مرة على تأنيت قرطاج الذهبي.

هذه المرة اقتصرت المشاركة على فيلم يتيم من السنغال، للمخرجة الشابة مأتي ديوب وفي ذلك دليل على انحسار الإنتاج هذه الأعوام في بلدان افريقيا غير العربية،  وهو ما بدا جليًا أيضا في الدورة السابقة من مهرجان واغادوغو، قرين مهرجان قرطاج.


سينما عربية جديدة

بين الاثني عشر فيلما التي قدمها المهرجان ضمن مسابقته، عشرة أفلام أولى وهذا تاريخي. فقد قدمت الأيام كلا من العراقي مهند حيال والسعودية شهد امين والمغربية مريم توازني والجزائريان أمين سيدي بومدين ومنية مدور والمصري هشام صقر والتونسيان محمد البرصاوي وهند بو جمعة والسوداني أمجد ناصر فضلًا عن السنغالية مأتي ديوب في أعمالهم الأولى.

هذا الجيل الجديد من السينمائيين، قدم الى السينما في السنوات العشر الماضية وقدم اعمالا قصيرة مهمة وبارزة لفتت الأنظار اليه قبل ان تمر سنوات ويعود منجزًا شريطه الطويل. وهي أشرطة سبقتها سيرتها الى مهرجان قرطاج حين قدمت في مهرجانات دولية وتمكنت من انتزاع جوائز بالجملة وأقله فإن هذه الأعمال سجلت حضورًا مشرفًا لنتاجات السينما العربية بين سينمات العالم.


سينما عربية مشرفة

نعم لم يقدم مهرجان قرطاج السينمائي الكثير من العروض العالمية الأولى لكنه قدم أفلاما عربية أنجزت بمواصفات عالمية وانتزعت الجوائز في اكثر من مهرجان دولي او هي سجلت حضورًا مميزا فيها.

فقد سبق لشريط "شارع بغداد" للعراقي مهند حيال ان انتزع جائزة افضل عمل في مهرجان بوسان بكوريا الجنوبية، وانتزع شريط السوداني أمجد أبو العلى، "ستموت في العشرين" جائزة العمل الاول في البندقية، وحاز شريط "بيك نعيش" للتونسي مهدي برصاوي جائزة افضل فيلم (انترفيلم) ضمن مسابقة آفاق – اوريزونتي في مهرجان البندقية الأخير وحيث نال سامي بوعجيلة أيضا جائزة افضل ممثل. بينما حازت السعودية شهد امين خلال مشاركتها بأسبوع النقاد في البندقية عبر فليمها "سيدة البحر" جائزة فيرونا لافضل ابداع.

وكانت عروض ثلاثة من هذه الأفلام انطلقت ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي: شريطي "بابيشا" و"آدم" اللذين شاركا في تظاهرة "نظرة ما" بينما حضر شريط "أبو ليلى" لأمين سيدي بومدين في تظاهرة "أسبوع النقاد" في مهرجان كان أيضا.        وفي هذا المهرجان حازت ماتي ديوب المشاركة في المسابقة الرسمية الجائزة الكبرى لمهرجان كان.

وانطلق شريط "نورا تحلم" في تورنتو ثم حضر في سان سيباستيان، وبدأ رحلة عروضه العربية بمهرجان الجونة السينمائي في سبتمبر الماضي حيث حازت هند صبري أيضا جائزة افضل ممثلة عن دورها في الفيلم.

كل ذلك يحمل إشارات على ولادة موجة جديدة في سينما العالم العربي، موجة تقودها النساء، وتحمل الى العالم حكايات الحب والحرب والثورة والأمل.


سينما المرأة المخرجة

جمعت مسابقة قرطاج الروائية اعمال خمس من النساء المخرجات الوافدات الى السينما بقوة وعزيمة ليخضن تجاربهن ويضفن الى مادة الصورة حساسياتهن المختلفة، فهن قاربن اكثر كل هذه المحظورات التي يداريها المجتمع ومن منطلق يمليه عليهن الواقع.  فنورا في "نورا تحلم" الحائز على التانيت الذهبي، تشرع لنفسها وجود حبيب في حياتها متمردة على الحرمان العاطفي والجنسي الذي يسببه لها زوجها بدخوله السجن لفترة طويلة.

في "آدم" المغربي تتطرق المخرجة لتابو من نوع آخر، يخص الحمل والعلاقات الجنسية خارج الزواج، موضوع معاناة راهنة للكثير من السيدات اللواتي يجدن أنفسهن حوامل خارج اطار الزواج، بينما المجتمع المغربي ينادي بتشريعات جديدة تخص المرأة في هذه المجالات. فيلم يساهم في النقاشالمجتمعي القائم حول هذه القضايا ويضيف لمسته الفنية الى هذا النقاش.

اما الشريط السعودي "سيدة البحر" فيرمي عبر مادة السينما  لدحض فكرة الذكورية المسيطرة، من خلال قصة مراهقة تسعى للتساوي بالرجل ولإثبات انها قادرة على القيام بنفس العمل مهما كانت الشروط قاسية.

وفي الجزائري "بابيشا" تتصدى بطلة الفيلم في التسعينات، لهيمنة الإسلاميين وسعيهم للسيطرة على المرأة والمجتمع وتحاول من خلال عملها وتمسكها بحلمها المضي الى الأقصى في مواجهة هذا الطغيان.

هي في العموم، سينما اجتماعية متمردة، مقاومة، جدية، واقعية ومتخيلة، تنتصر للمرأة في مجتمعاتها المختلفة وتساوي بينها وبين الرجل، بل هي تبرزها أحينا واكثر قدرة على المواجهة. هذه المخاضات المجتمعية تعبر عنها المخرجات بمعان وحكايات تختلف في اسلوبها وفي طريقة سردها لهذا الواقع.  الكاميرا تنزل الى الحارات الشعبية لتحكي في العمق او تلتقط من أجواء الأسطورة ما يمكن ان يغير في الواقع.

في هذه الأفلام تخوض المرأة ثورتها وتتمرد على السائد الظالم، تقول كلمة ترفض القمع الذي يخضعها له المجتمع الذكوري حارما اياها من حقها بحياة تتمتع فيها بكرامتها كاملة.


ولادة جديدة للسينما السودانية

ممكن ملاحظة الحضور القوي للسينما السودانية التي حصلت على عدة جوائز في مختلف مسابقات مهرجان قرطاج في الروائي والوثائقي الطويل فيما يؤكد أنها سنة استثنائية لهذه السينما التي تتزامن عودتها مع رحيل نظام إسلامي كمم الأفواه ومنع السينما في السودان طيلة ثلاثين عاما. كما حصلت هذه السينما على جوائز في برلين والبندقية والجونة، كذلك تفعل في قرطاج حيث حاز فيلم "ستموت في العشرين" على ثلاثة جوائز : جائزة العمل الاول وجائزة السيناريو إضافة الى جائزة موازية هي جائزة النقاد الدوليين. أما في الوثائقي فكما كان متوقعا حصل شريط صهيب قسم الباري "الحديث عن الأشجار" التانيت الذهبي، بينما حازت مروة زين جائزة موازية هي جائزة تي في 5 موند للعمل الأول عن شريطها "اوفسايد الخرطوم".


حيوية السينما التونسية

تتصدر السينما التونسية اليوم قمة الإنتاج السينمائي العربي كما وفِي النوع، وقد انعكس ذلك في مختلف تظاهرات مهرجان قرطاج السينمائي في هذه الدورة الثلاثين التي حملت اسم مديرها الراحل نجيب عياد. وقد باتت هذه السينما تنتج سنويا في الوثائقي والروائي الطويل، ما يقارب الخمسة عشر فيلمًا، لتتفوق بذلك على المغرب وعلى السينما المصرية التي تراجع انتاجها كثيرا منذ العام ٢٠١١ وإلى اليوم.

فالسينما الروائية التونسية، وبعد انحسارٍ ما أصابها في السنوات التي تلت الثورة، عادت سريعا لتطور نفسها وأدواتها وتنتج أفلاما هامة تخرج الى مهرجانات العالم وتنال الجوائز والإعجاب مستفيدة من مناخ الحرية السائد الذي لا يقف مانعًا في وجه الابداع الحر ومن مكونات ضرورية للعمل مثل وجود منتجين حقيقيين يعملون لتطوير هذه السينما من سنوات طويلة ونجيب عياد كان احد هؤلاء.

وقدمت تونس في مسابقة الروائي هذا العام ثلاثة أفلام، فضلا عن شريط نوري بوزيد الذي افتتح به المهرجان دورته. كما قدم شريط "قبل ما يفوت الفوت" لمجدي لخضر في العروض الرسمية خارج المسابقة بينما ضمت التظاهرة الجديدة "شتات" ثلاثة اشرطة تونسية هي : شريط هند مؤدب الوثائقي "باريس ستالينغراد" وفيلم منال العبيدي الروائي "ديفان في تونس" وفيلم حفصية حرزي الروائي ذي الإنتاج الذاتي تماما "تستحق حبًا". أما مسابقة الأفلام الوثائقية فضمت أيضا ثلاثة أفلام تونسية ما يحمل عدد هذه الافلام الطويلة الى احد عشر شريطا بينها سبعة روائية.

هذا فيما ضمت تظاهرة "نظرة على السينما التونسية" والتي حملت في سنوات ماضية عنوان "بانوراما السينما التونسية"خمسة أفلام وثائقية أخرى، ليصل المجموع الى خمسة عشر شريطا تونسيا طويلا قدمها المهرجان. ولا ننسى الحضور الفاعل للفيلم التونسي القصير الذي يعد مستقبلا بولادة اسماء جديدة سيكون لها إسهاماتها في هذا المجال.